الشاعر المبدع طارق المحارب في رثاء أب( رثاء والده)
طارق المحارب..28/11/2018
قصيدة : رثاء أب ..
قلت في رثاء والدي رحمه الله :
العمرُ ينفدُ والمنيَّةُ تَطمعُ
والعيشُ بعدَ خصوبةٍ لايُمرِعُ
وشروقُ شمسِ المرْءِ ما حملَ الفتى
إلا ليُنزلَهُ غروبٌ أسفعُ
سيفُ المنيَّةِ في الرِّقابِ مُحكَّمٌ
يُدني النُّفوسَ منَ الفناءِ ويقطعُ
والعمرُ قدْ يمضي ولوفي عِزِّهِ
والفجْعُ في الأعمارِ لايتطلَّعُ
هذا غريرٌ قبلَ شيبٍ ميِّتٌ
والشَّيخُ ذاكَ مَعاشُهُ يتفرَّعُ
و لَذاكَ طفلٌ يحتفي ثَديٌ بهِ
واراهُ مَنْ هوَ بالمشيبِ مُلَفَّعُ
ولقدْ رأيتُ الموتَ يُقبلُ مُسرِعاً
ينقضُّ كالأسدِ الهَصورِ ويَخزَعُ
أو إنْ تلطَّفَ جاءَ يمشي مُهرِعاً
أو مُبطِئاً في سيرِهِ أويخمَعُ
هذا قتالٌ والقتالُ صنوفُهُ
زحفٌ بطي ءٌ أوهجومٌ مُسرِعُ
والموتُ آجالٌ تخفَّتْ لا تُرى
لكنَّ غرغرةَ الحناحرِ تُسمعُ
والأهلُ يبكونَ المُودِّعَ حُرْقةً
والصَّبرُ حولَ دموعِهمْ يتجمَّعُ
قلْ ليْ : هلِ الموتُ الذي ينتابُنا
عَبْرَ العصورِ لهُ عيونٌ تدمعُ ؟!!
أم إنَّ في أنيابِهِ ناراً غدتْ
في كلِّ ناحيةٍ تطوفُ وتلذعُ ؟!!
اللهُ !! ذاكَ الموتُ كمْ أودى وكمْ
تركَ القلوبَ شغافُها يتقطَّعُ !!
لو أنَّ في أذنيهِ سمعاً لارعوى
عنْ كلِّ نائحةٍ بِحِبٍّ تُفجَعُ
لكنَّ أقدارَ الأنامِ حكايةٌ
إنْ أقدمتْ فقدومُها لايرجعُ
والحقُّ : إنَّ الموتَ حقٌّ إنَّما
فَقْدُ الأحبَّةِ - لا أبا لكَ - يُوجعُ
تعتادُ وجهاً كلَّ يومٍ طالعاً
آذانُهُ إنْ قُلتَ شيئاً تسمعُ
ترنو إليهِ أمامَ عينِكَ ضاحكاً
أو واقفاً أو جالساً يتربَّعُ
و إذا بهِ في ذاتِ يومٍ راحلٌ
يبكي عليهِ فراشُهُ والمَضجعُ
كم كانَ يُبكرُ للوضوءِ صبيحةً
تدنو خطاهُ ومنْ جديدٍ تُقلِعُ !!
طَلْقَ المُحيَّا فيهِ نضرةُ وجْنةٍ
بيضاءَ خالطها احمرارٌ يسطعُ
في قامةِ الرُّمحِ الطَّويلِ قوامُهُ
لا ينحني و إذا انحنى هو طَيِّعُ
والوشمُ في ظهرِ اليدِ اليُمنى شذىً
معَ كلِّ فاتحةٍ يفوحُ ويخشعُ
وإذا بهِ فَقِهَ الصَّلاةَ مُبَسمِلاً
ومُحمِّداً ومُكبِّراً إذْ يركعُ
حتَّى إذا فرغَ التفتَّ تراهُ قدْ
فتحَ الكتابَ لختمِ جزءٍ يَهرَعُ
هذا الذي بعدَ الرَّحيلِ يزيدُ منْ
حَسَناتِهِ حُسْناً جليَّاً يُطبَعُ
يُنهي قراءتَهُ ليُخضرَ قهوةً
قلَّ النَّظيرُ بِطعمِها إذْ تُصنعُ
فنجانُ قهوتِكَ الذي غادرتَهُ
مازالَ فوقَ الرَّفِّ شوقاً يجزعُ
عرفَ الحدادَ ولمْ يكنْ منْ قبلُ قدْ
لبِسَ السَّوادَ ، بلونِهِ يتطبَّعُ
والبابُ أغلقَهُ الفراقُ فلم يعدْ
بعدَ اكتظاظِ الزَّائرينَ يُصرَّعُ
ما عادَ يطرقُهُ الصِّحابُ ولم يعدْ
إلا قليلاً للزِّيارةِ يُقرَعُ
كنتَ البشوشَ معَ الصِّغارِ فتنتقي
لهمُ الكلامَ بطيبِهِ يتضوَّعُ
يا أيُّها العفويُّ في كلماتِهِ !!
حينَ المجالسُ كلُّها تتصنَّعُ
ما كنتَ تكذبُ او تجاملُ مُخطِئاً
في القولِ أو في الفعلِ بلْ تترفَّعُ
والقولُ صدقٌ في ضميركَ ثابتٌ
في الوجهِ او في الظَّهرِ لايتزعزعُ
ما كنتَ ذا مالٍ ولو واليتَهُ
وقفتْ كنوزٌ خلفَ بابِكَ تُجمعُ
آثرتَ أنْ تبقى نزيهاً شامخاً
فوقَ الغنى يومَ النَّزاهةُ تنفعُ
وترى الثَّراءَ معَ الشَّحيحِ مَذلَّةً
والجودُ رغمَ الضِّيقِ عندَكَ أروعُ
كنتَ الجوادَ ولم.تكنْ إلا امرءاً
رضعَ النَّدى فارتدَّ جوداً يُرضِعُ
والجودُ ليسَ مردُّهُ سعةَ الفتى
بلْ منْ كريمِ النَّفسِ ذاكَ المَصنعُ
مذْ راحَ حاتمُ ناحراً لجوادِهِ
يوماً على عَوزٍ وفقرٍ يُدقعُ
سارتْ بهِ الأمثالُ تلثمُ كفَّهُ
كي تُسمِعَ البخلاءَ ما لم يسمعوا
الحبُّ والإيثارُ عنوانُ الورى
منْ ذا الذي منْ حبَّ ذاتٍ يلمعُ
نِعمَ الرُّجولةُ فيك مُذْ كنتَ الفتى
حتَّى غزاكَ الموتُ داءً يَرتعُ
نرنو إليك فما تَرفُّ عيوننا
شوقاً ولكنَّ الحجارةَ تمنعُ
نِعْمَ التُّرابُ إذا رقدتَ مُدثِّراً
قبراً غدا ما فيهِ إلا الأضلُعُ
فعسى امرؤٌ في مثلِ طبعِكَ فائزٌ
يومَ الحسابِ ، وصَفْوِ قلبِكَ يُرفَعُ
واللهُ في يومِ الحسابِ مُكافئٌ
والبِرُّ عندَ رجالِهِ هوَ أشفعُ
والدي : موسى نايف المحارب ..
وافته المنية في يوم الثلاثاء.. الثامن من آذار للعام :
2016 م .. عن عمر جاوز السادسة والسبعين .. بعد صراع قارب خمسة الأشهر مع المرض. رحمه الله وغفر له وأسكنه فسيح جناته.

تعليقات
إرسال تعليق