مجرد كلام محمد ابو رزق
مجرّد كلام
وسائل الانقطاع
لست أدري كيف انطلت علينا الحيلة وصدّقناهم حين سمّوا وسائل التكنولوجيا الحديثة من انترنيت وهواتف وغيرها بوسائل الاتصال وتبعناهم في التسمية، في حين أنها في الحقيقة وسائل انقطاع، لأنها وبكل بساطة تجعلك منقطعا عن العالم الواقعي المحيط بك وتجعلك متصلا بعالم افتراضي خيالي يأكل كلّ وقتك ويأخذ كل اهتمامك. أنا لست ضد وسائل التكنولوجيا الحديثة فأنا أيضا أستعملها، ولكن مايثير الانتباه هو أننا أفرطنا في استعمالها أكثر من أولئك الذين صنعوها لغاية أننا أصبحنا مدمنين عليها، وأصبحت هي ديدننا الشاغل وحديث مجالسنا ومن الضروريات التي لايجب الاستغناء عنها وأصبحنا نروّج لها ، حتّى أن الأمّي فينا هو من لايعرف كيفية التواصل عبرها، فاحتلّت مجالسنا وطغت على لقاءاتنا وشتّتت أُسرنا، وملأت حياتنا بالكذب والخيال وسفاسف الكلام أكثر مما ينبغي، وأصبحنا مجتمعين ومتفرّقين في نفس الوقت، فأنت ترى ثلاثة أشخاص أو أكثر مجتمعين في مكان واحد وكلّ واحد منهم في عالم آخر خيالي خاص به مشغولة يده بالهاتف وعقله يسبح في عالم افتراضي صنعه لنفسه، فهم مجتمعون متفرّقون في آن واحد.وفي البيوت الأمر أدهى وأمرّ، فالأسرة داخل البيت لايجمعهم إلا المكان، فكلّ واحد منهم منقطع إلى عالمه الخيالي تراه يضحك ويناقش ويردّ في عالمه الافتراضي، ويصعب عليه أن يتواصل مع أسرته في عالم الواقع وكأن بينه وبينهم مسافات مكانية وزمنية يصعب عليه اختراقها. وأصبح اعتمادنا على الانترنيت في القراءة واستياق الأخبار وأخذ المعلومات ومعرفة المستجدّات والحوادث أكثر من اعتمادنا على الأشخاص المحيطين بنا ومن الكتب المصفوفة في مكتباتنا والتي أكلها الغبار.حتى الأطفال عوّدناهم إذا سألونا عن أمر يخصّ دراستهم أو معلومة تشغل بالهم بإحالتهم على الشيخ جوجل فهو العالم العلاّمة والبحر الذي لايشقّ له غبار.أخشى ما أخشاه أن يأتي وقت يصبح التواصل بين الأسرة نفسها داخل البيت عبر الانترنيت، وليس بغريب أن يسأل الأخ أخاه عن مستواه الدراسي، وهل هو أكبر منه سنّا أو أصغر منه،وأن يسأل الأب ابنه عن عمره وفي أي سنة وُلد، وأن يسأل الزوج زوجته عن تاريخ ميلادها وفي أي سنة تزوجها، وعن والديها هل هما متوفيان أم لايزالان على قيد الحياة.
لم يكن مجتمعنا المغربي هكذا قبل ظهور وسائل الانقطاع هذه. فقد كان مجتمعا مترابطا متماسكا متواصلا يبتدئ من الأسرة الصغيرة التي تنشأ داخل العائلة الكبيرة وتمتد إلى المحيطين بها من جيران وأقارب وأصدقاء.وكان الأبوان على اتصال وثيق بأبنائهم من الصباح حتى ساعات النوم لاتغيب عنهم شاذة أو فاذة وكانت وسائل الاتصال آنذاك بسيطة للغاية ولا تأخذ كل الاهتمام تتجلى في الراديو والرّسائل وهاتف المنزل الثابت وبعض آلات التسجيل.وكنّا ونحن أطفالا في سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ننتظر المساء بشوق ولهفة لنتحلّق
حول الجدة والتي كانت آنذاك أهم وسائل الاتصال المباشر لتحكي لنا حكايات النوم الجميلة والمسلّية، وإن أنس فلن أنسى إحدى جاراتنا وكانت عجوزا تنتمي إلى منطقة سوس أتى بها زوجها ليشتغل في التجارة وسكنا بجوارنا كغرباء عن المنطقة.كانت تسمّى نجمة،وكنّا نسمّيها أمّي نجمة تأدّبا معها، وكانت فعلا نجمة في عالم الحكايات والغرائب فهي إسم على مسمّى، كانت رحمها الله تأتي كلّ مساء إلى بيتنا فنتحلّق حولها صحبة أبناء الجيران وحتى الكبار منّا أيضا، وكانت لها استراتيجية فريدة في الحكي وسرد القصص، فهي تبدأ معنا بالألعاب المسلّية كلعبة (جرادة مالحة) ثم تنتقل بنا إلى الألغاز والأحجيات، ثم لما تحسّ أن النوم بدأ يغالبنا تبدأ بعرض الحكايات المطوّلة، وحكاياتها كانت مزيجا من البطولات والملاحم وحسن السلوك والتصرّف ومبادئ الأخلاق، وكأنّها دروس تلقّنها لنا وتحثّنا على التمسّك بها،فحفظنا عنها الكثير من الحكايات مثل (هينة والغول) والتي كانت تتوسع فيها وتضفي عليها الكثير من الإثارة والتشويق، وحكاية (عائشة بنت النجار) المليئة بالألغاز والذكاء ، وحكاية (حديدان الحرامي) التي تعتمد أسلوب الدهاء واصطياد المغفّلين، وحكاية(خلاّلة خضراء) التي تحكي قصة الفتاة الفقيرة والذكية والتي فازت بقلب الأمير رغم كثرة الحسّاد، وحكاية (الذئب والثعلب) المليئة بالمكر والخداع، وحكاية (سيدنا علي ورأس الغول) المليئة بالبطولات،وغيرها كثير، وكانت كلّ ليلة تأتينا بحكاية أغرب من سابقتها، وبعد أن مات زوجها انتقلت عندنا وبقيت معنا إلى أن توفيت رحمها الله، وكان موتها خسارة كبيرة بالنسبة لنا نحن الصغار فقد تبعناها إلى المقبرة توديعا لها وبقيت ذكراها عالقة بأذهاننا حتى الآن وحتى بعد أن كبرنا لازلنا نتذكرها في اجتماعاتنا. ومن الغريب أن هذه السيدة نجمة كان لها كلب ربّته منذ صغره وكبر معها وكان لايفارقها أينما ذهبت فلمّا ماتت تبعها معنا إلى المقبرة وانصرف الناس وبقي رابضا عند قبرها مدّة ثلاثة أيّام، فلما أيس منها وعرف أنها لن تعود قام من عند قبرها وذهب إلى بئر مهجور ورمى نفسه فيه ومات.
واليوم عوّضنا أمّي نجمة وأمثالها من الجدّات والأمهات المربّيات بالمفتي جوجل والفقيه يوتوب والعلاّمة ياهو والشيخ فيسبوك والمايسترو تويتر، وارتمينا في أحضانهم وأصبحنا معهم كحاطب ليل لايدري ما يحتطب ومع الظلمة الشديدة قد تجمع يداه ما يكون فيه حتفه وهلاكه.
إن هذه التكنولوجيا الحديثة مهمّة ومفيدة حقا، ولكن علينا أن نتعامل معها بحذر، وأن لانجعلها تتحكم فينا وتلتهم كلّ وقتنا وتجعل منّا أسرى لها، فوقتنا أثمن من ذلك، وأسرنا وأبناؤنا في حاجة إلى هذا الوقت وفي حاجة إلى أن نشعرهم بوجودنا واهتمامنا وأنهم أهمّ عندنا من كل شيء بعد الله سبحانه وتعالى، فكلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته، وإذا لم نتدارك الأمر فسيأتي يوم نجد فيه أنفسنا غرباء في بيوتنا ومجهولين في محيطنا ينكرنا جيراننا ويتذكّرون أين ومتى رأونا، فكل شيء زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه، إنّ لربّك عليك حقّا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فاعط كلّ ذي حق حقه.
محمد أبورزق 26/072015
توثيق هيام برهان
إشراف لطيفة يونس
وسائل الانقطاع
لست أدري كيف انطلت علينا الحيلة وصدّقناهم حين سمّوا وسائل التكنولوجيا الحديثة من انترنيت وهواتف وغيرها بوسائل الاتصال وتبعناهم في التسمية، في حين أنها في الحقيقة وسائل انقطاع، لأنها وبكل بساطة تجعلك منقطعا عن العالم الواقعي المحيط بك وتجعلك متصلا بعالم افتراضي خيالي يأكل كلّ وقتك ويأخذ كل اهتمامك. أنا لست ضد وسائل التكنولوجيا الحديثة فأنا أيضا أستعملها، ولكن مايثير الانتباه هو أننا أفرطنا في استعمالها أكثر من أولئك الذين صنعوها لغاية أننا أصبحنا مدمنين عليها، وأصبحت هي ديدننا الشاغل وحديث مجالسنا ومن الضروريات التي لايجب الاستغناء عنها وأصبحنا نروّج لها ، حتّى أن الأمّي فينا هو من لايعرف كيفية التواصل عبرها، فاحتلّت مجالسنا وطغت على لقاءاتنا وشتّتت أُسرنا، وملأت حياتنا بالكذب والخيال وسفاسف الكلام أكثر مما ينبغي، وأصبحنا مجتمعين ومتفرّقين في نفس الوقت، فأنت ترى ثلاثة أشخاص أو أكثر مجتمعين في مكان واحد وكلّ واحد منهم في عالم آخر خيالي خاص به مشغولة يده بالهاتف وعقله يسبح في عالم افتراضي صنعه لنفسه، فهم مجتمعون متفرّقون في آن واحد.وفي البيوت الأمر أدهى وأمرّ، فالأسرة داخل البيت لايجمعهم إلا المكان، فكلّ واحد منهم منقطع إلى عالمه الخيالي تراه يضحك ويناقش ويردّ في عالمه الافتراضي، ويصعب عليه أن يتواصل مع أسرته في عالم الواقع وكأن بينه وبينهم مسافات مكانية وزمنية يصعب عليه اختراقها. وأصبح اعتمادنا على الانترنيت في القراءة واستياق الأخبار وأخذ المعلومات ومعرفة المستجدّات والحوادث أكثر من اعتمادنا على الأشخاص المحيطين بنا ومن الكتب المصفوفة في مكتباتنا والتي أكلها الغبار.حتى الأطفال عوّدناهم إذا سألونا عن أمر يخصّ دراستهم أو معلومة تشغل بالهم بإحالتهم على الشيخ جوجل فهو العالم العلاّمة والبحر الذي لايشقّ له غبار.أخشى ما أخشاه أن يأتي وقت يصبح التواصل بين الأسرة نفسها داخل البيت عبر الانترنيت، وليس بغريب أن يسأل الأخ أخاه عن مستواه الدراسي، وهل هو أكبر منه سنّا أو أصغر منه،وأن يسأل الأب ابنه عن عمره وفي أي سنة وُلد، وأن يسأل الزوج زوجته عن تاريخ ميلادها وفي أي سنة تزوجها، وعن والديها هل هما متوفيان أم لايزالان على قيد الحياة.
لم يكن مجتمعنا المغربي هكذا قبل ظهور وسائل الانقطاع هذه. فقد كان مجتمعا مترابطا متماسكا متواصلا يبتدئ من الأسرة الصغيرة التي تنشأ داخل العائلة الكبيرة وتمتد إلى المحيطين بها من جيران وأقارب وأصدقاء.وكان الأبوان على اتصال وثيق بأبنائهم من الصباح حتى ساعات النوم لاتغيب عنهم شاذة أو فاذة وكانت وسائل الاتصال آنذاك بسيطة للغاية ولا تأخذ كل الاهتمام تتجلى في الراديو والرّسائل وهاتف المنزل الثابت وبعض آلات التسجيل.وكنّا ونحن أطفالا في سنوات السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ننتظر المساء بشوق ولهفة لنتحلّق
حول الجدة والتي كانت آنذاك أهم وسائل الاتصال المباشر لتحكي لنا حكايات النوم الجميلة والمسلّية، وإن أنس فلن أنسى إحدى جاراتنا وكانت عجوزا تنتمي إلى منطقة سوس أتى بها زوجها ليشتغل في التجارة وسكنا بجوارنا كغرباء عن المنطقة.كانت تسمّى نجمة،وكنّا نسمّيها أمّي نجمة تأدّبا معها، وكانت فعلا نجمة في عالم الحكايات والغرائب فهي إسم على مسمّى، كانت رحمها الله تأتي كلّ مساء إلى بيتنا فنتحلّق حولها صحبة أبناء الجيران وحتى الكبار منّا أيضا، وكانت لها استراتيجية فريدة في الحكي وسرد القصص، فهي تبدأ معنا بالألعاب المسلّية كلعبة (جرادة مالحة) ثم تنتقل بنا إلى الألغاز والأحجيات، ثم لما تحسّ أن النوم بدأ يغالبنا تبدأ بعرض الحكايات المطوّلة، وحكاياتها كانت مزيجا من البطولات والملاحم وحسن السلوك والتصرّف ومبادئ الأخلاق، وكأنّها دروس تلقّنها لنا وتحثّنا على التمسّك بها،فحفظنا عنها الكثير من الحكايات مثل (هينة والغول) والتي كانت تتوسع فيها وتضفي عليها الكثير من الإثارة والتشويق، وحكاية (عائشة بنت النجار) المليئة بالألغاز والذكاء ، وحكاية (حديدان الحرامي) التي تعتمد أسلوب الدهاء واصطياد المغفّلين، وحكاية(خلاّلة خضراء) التي تحكي قصة الفتاة الفقيرة والذكية والتي فازت بقلب الأمير رغم كثرة الحسّاد، وحكاية (الذئب والثعلب) المليئة بالمكر والخداع، وحكاية (سيدنا علي ورأس الغول) المليئة بالبطولات،وغيرها كثير، وكانت كلّ ليلة تأتينا بحكاية أغرب من سابقتها، وبعد أن مات زوجها انتقلت عندنا وبقيت معنا إلى أن توفيت رحمها الله، وكان موتها خسارة كبيرة بالنسبة لنا نحن الصغار فقد تبعناها إلى المقبرة توديعا لها وبقيت ذكراها عالقة بأذهاننا حتى الآن وحتى بعد أن كبرنا لازلنا نتذكرها في اجتماعاتنا. ومن الغريب أن هذه السيدة نجمة كان لها كلب ربّته منذ صغره وكبر معها وكان لايفارقها أينما ذهبت فلمّا ماتت تبعها معنا إلى المقبرة وانصرف الناس وبقي رابضا عند قبرها مدّة ثلاثة أيّام، فلما أيس منها وعرف أنها لن تعود قام من عند قبرها وذهب إلى بئر مهجور ورمى نفسه فيه ومات.
واليوم عوّضنا أمّي نجمة وأمثالها من الجدّات والأمهات المربّيات بالمفتي جوجل والفقيه يوتوب والعلاّمة ياهو والشيخ فيسبوك والمايسترو تويتر، وارتمينا في أحضانهم وأصبحنا معهم كحاطب ليل لايدري ما يحتطب ومع الظلمة الشديدة قد تجمع يداه ما يكون فيه حتفه وهلاكه.
إن هذه التكنولوجيا الحديثة مهمّة ومفيدة حقا، ولكن علينا أن نتعامل معها بحذر، وأن لانجعلها تتحكم فينا وتلتهم كلّ وقتنا وتجعل منّا أسرى لها، فوقتنا أثمن من ذلك، وأسرنا وأبناؤنا في حاجة إلى هذا الوقت وفي حاجة إلى أن نشعرهم بوجودنا واهتمامنا وأنهم أهمّ عندنا من كل شيء بعد الله سبحانه وتعالى، فكلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته، وإذا لم نتدارك الأمر فسيأتي يوم نجد فيه أنفسنا غرباء في بيوتنا ومجهولين في محيطنا ينكرنا جيراننا ويتذكّرون أين ومتى رأونا، فكل شيء زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه، إنّ لربّك عليك حقّا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فاعط كلّ ذي حق حقه.
محمد أبورزق 26/072015
توثيق هيام برهان
إشراف لطيفة يونس


تعليقات
إرسال تعليق