قصة قصيرة :حديث المساء...بقلم الشاعر عبد الستار الخديمي
قصة قصيرة
بعنوان **حديث المساء **
من طبيعته يكره الاستقرار والثبات، يمقت الأطر، أحجامها وأسبابها وغاياتها وصانعيها، يقول دائما قوله المأثور "أنا كالماء الجاري إذا ثبت أسن.. إذا ما خفتت حركتي دنوت من الزوال".
في ركن شبه منعزل في المقهى البعيد نسبيا عن مقر سكنه
حيث كان يتجشم بعد المسافة وثقل الشارع وإساءة النظارة حتى وإن كانت عفوية، كان ينتحي ركنه المفضل ويجلس إلى طاولته الخشبية، يضع عليها هاتفه ودفتر ملاحظاته وكوب القهوة دون سكر، إنه الثبات الوحيد الذي أنسه وتقبلته نفسه، أشياؤه على بساطتها تشاركه الحلم.
كان كثير الأصدقاء والصديقات ولكن إحداهن _المقربة من نفسه حتى أنه يراها توامه_ سألته ذات مرة وقد خبرته في حوارات مطولة واكتشفت فيه جانبا من إصرار "سيزيف" وشيئا من جنون "غيلان" بطل المسعدي، واكتشفت كذلك أنه يتردى بين المتناقضات، يصنع المفارقات في نفسه وفيمن حوله، كان يعرف يقينا أنها أحبته بكل عنف لأمر في غاية البساطة وهو أنه كان يهتم بكل تفاصيلها الصغيرة والصغيرة جدا وكأنه يشاركها الحياة من فرط الاهتمام الذي فقدته في محيطها الأسري.
قالت "لماذا كلما دنوت منك هربت وكلما ابتعدت عنك لهثت ورائي كمطارد الحلم في الجنة".
لم يجبها، ليس عجزا لغويا على ما اعتاد من بيان وفصاحة، وليس هروبا من الإجابة، ولكنه تعمد "الغباء" ليقينه بأنها امرأة جميلة، مستفزة، مثيرة وجذابة بأنوثتها، وللمحافظة على تلك الصورة المثالية أرادها رمزا لأن الرمز مجرد لا يموت ولا يهترىء ولا يشيخ كما أعمارنا.
ارتشف على عجل آخر قطرة من قهوته وسار على الرصيف الممتد حذو الجدران السامقة، وكأنه يهرب من ظله الذي يلاحقه ويلازمه مع انعطاف خيوط الشمس معلنة عن اقتراب المساء.. كان يحث الخطى، يرتقب موعدا في الحديقة المتربعة في آخر الطريق...
في الحقيقة هو موعد يومي متكرر في زمن مخصوص ما بين موعد العصر والغروب، وبما أنه يكره أن يكون نسخة لأي كان، فقد كان يخط في كل مساء لوحة جديدة من حلمه، كان الموعد كأنه طقس عبادة، إنه موعد مع الذات في توحدها ولحظة انكشافها وعريها، طقس "صوفي" يتكرر كالأوراد، تجتمع فيه الذات بنوعيها الباطن في لحظة صفاء ومكاشفة، ولكن لابد من شهود على هذا اللقاء.
الشمس تسقط خيوطها الصفراء والتي تميل شيئا فشيئا نحو الاحمرار على ناصيته تذكره بمدى عمق مفارقاته، تذكره بأنه يجب أن يأخذ القرار الذي يؤجله باستمرار حبا فيها وخوفا من الحب. إنها زنبقته البرية وكل الأسماء تشنق على أعتاب ابتسامتها.
أما الكراسي الثنائية المبثوثة هنا وهناك في أرجاء الحديقة، في شكلها المقابل تذكره بعدد الأحرف والكلمات والقصائد التي نظمها عشقا في عينيها، تعاتبه الكراسي لأنه يعمق المآسي..
وفجأة تتمطط كرة صبي يلهو فتلامس شروده فيفيق على سواد بدأ يزحف على الشمس فيقلص حجمها ويزيد من حمرتها.
تذكر أنه يحتفظ برقم في ذاكرة هاتفه تردد كثيرا في استعماله، ولكن الغروب أزف والطفل دعته أمه للانصراف، وكان لابد من وضع نقطة في آخر السطر.
شكل الرقم على لوحة الهاتف فرن الجرس وعلى قصر ثواني الانتظار تسارعت دقات قلبه، وشرد بخياله: ما عسى تكون ردة فعلها؟ وكيف تعاملت مع تناقضاته؟
الووو.. من المتكلم؟
لم يجب لبرهة.. ألم تتذكر نبرة صوته؟
ولكنه رد اخيرا "زنبقتي الصغيرة.. ألم تتذكريني؟".
ردت في شبه نرفزة وتشنج "سيدي الكريم.. الزنبقة شاخت.. وتزوجت ولها طفلان".
أغلق الهاتف دون أن ينبس بكلمة واحدة.. وعرف كم كانت فلسفته عقيمة.
بقلم: عبد الستار الخديمي_تونس

تعليقات
إرسال تعليق