قصة قصيرة ...السؤال الحائر...بقلم الاديب عبد الستار خديمي
قصة قصيرة:
***السؤال الحائر***
كان -وهو شخص ما في زمن ما وفي مكان ما، لا يهمّ الاسم بقدر أهمية المسمى ولا معنى للدوال بقدر ماهية المدلولات- يعتبر أن المسافة الفاصلة بينه وبين نفسه شاسعة، بل ما يفصله عن ذاته هوّة سحيقة لا متناهية ليس لها حدّ ولا قرار. يسند رأسه على كفّ يده اليمنى، كانت جدّته التي طبعت الوشوم محياها تقول معاتبة "يا بني لا تأكل بيدك اليسرى فذلك يطرد البركة من الطعام"، سحب ذلك ليس على تناول الطعام فحسب بل على جميع أعماله حيث أراح يسراه من كل جهد. وضع رأسه في كف يده، وضعية مميزة وكأنها وضعيّة تولّد الإلهام، يفعل ذلك ليتأمل ويفكّر ويسأل، إنه مهووس بسحر السؤال، مسكون بحيرة لا يعرف مأتاها، يتمتم في داخله، أو بالأحرى يسمع باطنه، "يا ابن آدم، من أنت؟ ما علّة وجودك وغائية كيانك؟".
هذا السؤال المتكرر عميق عمق الوجود، عمق الهوة التي لا قرار لها ولكنّه -على كل حال- يتلذّذ السؤال، ويتلذّذ فشله في التوصل إلى الإجابة في كل مرة وكأن السؤال نفسه أضحى علّة الوجود وغايته.
في غمرة من ألمه وتأمله وحتى لؤمه، كان يسترق النظر لرفيقة دربه لأكثر من عقدين من الزمن، يتعمد أن يشيح بنظره عنها لسببين: أولهما أنّه لم يهتد في يوم من الأيام إلى إدارة حوار معها دون أن ينتهي بخصام تعلو فيه الأصوات وتكون نتائجه جوّا عائليا مشحونا.
وثانيهما أنه لا يريد أن يكشف ما يفكر فيه وتفضحه ملامحه وعيناه، فهو من الذين إذا دققت النظر في عينيه تفهم ما يجول في خاطره، لهذه الأسباب يعشق الوحدة والصمت، ويعشق الأيام الخوالي حين كانت صورتها تسدّ عليه منافذ الأفق فينحصر تأمله في ملامحها التي لم يستطع حفظها في ذاكرته المثقوبة، أو لنقل إنّ ملامحها غير ثابتة تتجدّد كل يوم في نسخة فريدة متفردة لم تكن في الماضي ولن يستشرفها في المستقبل.
رفع رأسه وحرّر يده اليمنى، اليد الجالبة للبركة والسعد، لم تتحرّر بل أحسّها ثقيلة ثقل الجبال الرواسي، أراد أن يدحرج أصابعه نحو رفيقة دربه في حياء كبير أو رهبة جامحة.. ما لم يتحرر ليست يده بل دماغه وتفكيره وكأنه قطع تذكرة اللاعودة في علاقته بها، لا .. إنه يحس بانجذاب نحوها لم يحسّه من قبل حتى حين كانا مخطوبين ويلتقيان خلسة بعيدا عن أعين الأهل والعواذل. أهو الحنين إلى النقطة التي كان لا يطرح فيها الأسئلة؟
أحسّت برغبته الدفينة وفهمت أنّه نوع من الاعتذار، وأنها كانت تترقب هذه اللحظة بصبر أيوب ولكن ملامحها كانت متماسكة ولم توح بأي انكسار أو تنازل.. من صفاتها التي يحبذها أنها قوية لا تنكسر رغم أنوثتها الآسرة. استدارت نصف استدارة وابتسمت دون أن تنبس بكلمة وفتحت ذراعيها فارتمى في حضنها كالطفل وقال "الآن فقط أصبح للسؤال معنى، لا وجود لي خارج هذا الإطار".
سهرا طويلا واستذكرا الماضي بحلوه ومرّه ولكنه يخاف أن ينام فيعود إلى سيرته الأولى.
بقلم: عبد الستار الخديمي-تونس

تعليقات
إرسال تعليق