#زهرة العسل-بقلم طروب قيدوش

-زهرة العسل-

تبدو الأمور كما كانت   في ذاكرتي لا شيء سوى ذلك الشارع المظلم .. الضيق بممراته ..   و بيوت ببنايات قديمة . أغلبها بالحجارة .. كانت الهندسة المعمارية مختلفة كثيرا ، كأنها تعبر عن تاريخ .. أو حضارة ما..   لا شيء آخر موجود في ذاكرتي .. لا طفولتي .. و لا شبابي .. لا شيء .. كل شيء مبهم بالنسبة لها ..   لا ادري كيف أصدق ما اخبروني به ... هل هو حقا فقدان للذاكرة .. أم انه شيء في أعماقي يحاول أن يجعلني شخص آخر بلا ذاكرة .. بلا اسم .. بلا هوية ..   هذا الحطام الذي يجعل نبضات قلبي تتسارع .. يوشك أن يجعل مني فتاة مدمرة كلية ...   ما علاقة ذلك الشارع بي .. هل هو حقيقة أم أنه وميض يتدفق من تلك الذكريات المختفية .. أم أنه عنوان لحياة قد كانت لي ..   أنظر إلى النافدة المطلة على الحديقة و أنا أسأل نفسي كيف وصلت إلى هنا .. لما أنا هنا .. و من أحضرني إلى هنا ....   شيء مخيف يعيق أفكاري .. و دموع مختنقة تجعلني أشعر بضيق في نفسي .. و تجعلني أفتقد القدرة على الوقوف ..   فجأة يكسر طرق الباب هواجسي ...   نعم تفضل   إذا برجل في متوسط العمر يدخل و تسبقه ابتسامته قائلا .. كيف أنت يا طفلة ؟   طفلة .. من أنا طفلة ..   نعم أنت ..   إني لست طفلة أرد عليه و قد بدت العصبية على ملامح وجهي   من أنت لتقل لي طفلة   أنا من أحضرتك إلى المستشفى   كيف هذا ؟   لقد وجدتك على الطرق كانت حالتك ترثى لها ..   كيف هذا ؟   كنت تركضين و الخوف باد عليك .. و فجأة سقطتي على الأرض ..   لكني لا اذكر شيء ؟   كيف هذا ؟   حسنا يا طفلة لا تقلقي سوف أتحدث إلى الطبيب ..   خرج تاركا خلفه ذهولا رهيبا يسيطر على أفكاري و جسدي ..   مشيت ببطء شديد و جلست على حافة السرير و كلام الرجل الغريب لا يفرق مسامعي .. و أنا أتساءل ماذا حدث لي حقا .. ثم أخذت أقرص خدي لأتأكد أني لست في حلم .. آه لقد تألمت كثيرا ..   إني لا أحلم .. إذا ماذا حدث لي .. من أنا ؟ و من أين أتيت ؟ و كيف حدث معي هذا ؟   هاجمتني الأسئلة من كل جانب لم ح، شعرت أن رأسي سينفجر ..   مرة أخرى طرق الباب يجعل كل الأمور تهدأ   و إذا بالرجل يكسر بكلماته جموح أفكاري   يا طفلة إنك بخير .. و لكنك تحتاجين إلى البقاء هنا لأيام أخرى   و لماذا؟   الطبيب طلب هذا   أخبرني لماذا   إنه يقول أنك بحاجة إلى متابعة نفسية   ماذا ؟  لا تقلقي يا طفلة كل الأمور ستكون بخير   الطبيب يظن أنك تعرضتِ إلى صدمة ما .. لا تخافي .. ثم إني سأظل معك حتى يكون الشفاء .. لا تقلقي يا طفلة ..   سأذهب و أحضر لك بعض الملابس و الأكل .. ألست جائعة ؟  ماذا ؟ ألست جائعة   بلى ..   خرج و تركني مع ذهول آخر .. جعلني أكثر حيرة .. كم أرغب في أن أعرف نفسي و أن أعود إليها ..   بقيت أجهد نفسي ابتسمت لأجل أن أتذكر شيء ما .. شيء يعدني إلى الحياة .. شيء خبرني من أكون ...  و إذا بالباب يفتح و بمجرد ما رأيت وجهه المبتسم انشرح صدري و شعرت بالأمان بوجوده .. كأن أبي إلى جواري ..   دخل محملا بأكياس الأكل ..شممت الرائحة .. أحسست أن النشاط يغمر جسدي ..  ابتسمت له و قلت : أحضرت الأكل   رد قائلا أجل و كذلك انظري ما اشتريت لك ... دفع بالكيس إلى حضني ..   نظرت إليه و الحيرة بادية على وجهي و صخب الحيرة يكاد ينطق من عيوني ما هذا؟ ..   افتحي الكيس بسرعة   ارتجفت يداي و أنا افتح الكيس و أخرجت ما فيه صرخت في ذهول واوووووو ما هذا ؟ أهذا لي   قال أجل لك يا طفلة   إنه جميل .. إنه رائع ..   جربيه إذا   قلت لا الأكل أولا   ضحك عليا بصوت .   فرغم تشوش ذاكرتي إلا أن ذاكرة الأكل لا تغيب أبدا ..   قدم الطاولة نحو سريري و وضع لي الأكل   قلت له امممممم كل هذا   قال نعم يجب أن تأكلي جيدا فجسدك يحتاج إلى التغدية   قلت : سأكل   أخذت أكل و لا شيء يشغل فكري سوى طيبة هذا الرجل التي غمرني بها و جعلني أشعر كأنني ابنته حقا ..   أكلت حتى شبعت .. كان الطعام لذيذا و متنوعا .. أحببت السلاطة المتبلة مع اللحم المشوي ... و أيضا حساء السمك كان لذيذا ...   نظرت إليه نظرة أمتنان و شكر   و قلت شكرا لك يا عمي ..   لا تشكرني يا طفلة   قالها و هو يبتسم و قد مرر أنامله على راسي ..

نظرت إليه مبتسمة و أنا أقول له شكرا لك .. شكرا لك   لا تشكريني يا طفلة   سوف اغسل يداي و أجرب الفستان انتظرني لحظة   ركضت بسرعة إلى الحمام غسلت يداي و وجهي و عدت إليه بوجه مشرق الآن سوف أرتدي هذا الثوب الجميل ...   حملت الثوب و اتجهت مرة أخرى نحو الحمام بخطى مرحة و الفرحة تغمر قلبي حتى إني نسيت إني في المستشفى و أني بلا ذاكرة ...   كان فستانا جميلا له لون واحد بلون السماء الصافية ... و له أزرار من الأمام ... و حزام ... بدوت فيه كأني سندريلا   خرجت إليه كيف عرفت مقاسي ؟.. كيف هذا ؟  يا طفلة أتظنين أني عجوز ... إني مازلت أميز الأمور .. و أيضا لي دوق في الاختيار ...   أحقا انك أنت من اخترته   طأطأ رأس و هو يخفي ابتسامة الخجل و العجز في نفس الوقت   يا طفلة لا تكثري من الكلام   اخبرني فقط .. لن أخبر أحد   حسنا قد ساعدتني البائعة في المحل   قلت لها أريد فستانا لفتاة بين التاسعة عشر و العشرين و أعطيتها مواصفاتك   الآن فهمت .. يا لك من عجوز   قام من مكانه و قال سأرحل الآن و أعود إليك في الصباح.. حاولي أن ترتاحي .. و أن لا تفكري في شيء و غدا ستكون أول جلسة علاج إن شاء الله   نعم سوف أنام .. ليلتك طيبة يا عمي   رحل عني و تركني أعود لسابق ما كنت عليه .. استلقيت على سريري و اجتهدت في الاسترخاء حتى لا اشوش فكري لعلي استذكر شيئا .. أو قد تمر سحابة تحمل لي شيء من حياتي السابقة ... حياتي التي كانت قبل هذا اليوم ...   و في لحظة واحدة غفوت ... استيقظت وجدت نفسي قد نمت بالفستان ... قمت مهرولة و اغتسلت و مشطت شعري و عيني على الباب انتظر الرجل الطيب .. و أيضا انتظر الطبيب ... و لكن مرت ساعة و لا احد منهما ...   توترت و أنا أسير في الغرفة ذهابا و إيابا .. و أحيانا أقف إلى النافذة المطلة على حديقة المستشفى .. كانت جميلة فيها الكثير من الورود و المساحة الخضراء

بقلم طروب قيدوش

يتبع ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

هم اهلي...للشاعر عبدالله سكرية

حكايتي مع الحزن..بقلم ربيع الأيام

#إهداء - لأم الشهيد...بقلم الشاعر مؤمن حماد