فاريا...قصة بقلم الاديب جرجس لفلوف
فاريا...
سألت قلمي ماذا ستقول عن الحرمان يا قلمي؟أجاب:
فاريا فتاة جميلة طويلة شقراء .أمضت طفولتها في حضن أمها الذي كان متخم بالمعجبين والراغبين الاستراحة في حقوله .وأمضت سني دراستها في مدرسة داخلية بعيدة عن منزل الوالدين الذي لم يكن يتسع لها من كثرة زواره .ولم تكن تراه إلا في أيام العطل
شربت خمر الحرمان من حنان الأم وعطف ورعاية ألأب منذ طفولتها وسنوات مراهقتها مما ولد لها حالة نفسية غير مستقرة
توحي فاريا لمن ينظر إليها انها فتاة مدللة مرفهة واثقة من نفسها هادئة تقول لك وهي صامتة انها بحاجة إلى جرعات عاطفية .تكره الوحدة وتميل إلى الحياة الاجتماعية ونسج العلاقات مع الرفاق
وتعويض حرمانها من حياة الأسرة
تعلمت فاريا مما كانت تشاهده في منزل والديها وعلاقة الوالدين مع بعضهما ومع الزوار الذين لم يكن يخلو المنزل منهم..تعلمت الكثير من الأمور والسلوكيات واختبرت الحياة قبل أن تدخل إلى ساحاتها كما اتقنت فن الغنج والدلال في أحضان الرجال من مختلف الألوان والاشكال وهي طفلة وتعرفت شيئا فشيئا على حياة المجتمع المفكك أسريا وكيف يتم نسج العلاقات بين الناس بايجابياتها وسلبياتها حتى اذا عايشتها تعتقد أنها كهلة وهي في سن المراهقة
لم يكن منزل والديها يخلو من طواقم لاعبي الميسر والباحثين عن المغامرات العاطفية وفي هذا الفضاء تعرفت فاريا على أساليب وأماكن اللهو والرقص كما استمتعت بكثير من رحلات الاستجمام في البحر والجبل ومع نمو وعيها وادراكهاومراقبتها لما يجري في محيطها تمكنت من الاطلاع على كثير من أبواب النصب والاحتيال وفنون ممارسة السكر والمخدرات والدعارة والمقامرة دون أن ينتبه والديها إلى ذلك مما حرمها من التعرف على الكثير من السلوكيات النظيفة والصداقة والاستقامة التي عايشتها بعد أن غادرها والديها وأصبحت وحيدة
اكتسبت من خلال معياشتها لهذه الانماط المتعارضة في الهدف والقيم والسلوك خبرة واسعة بالرغم من صغر سنها
رأت فاريا بعينها وسمعت بأذنها كيف يكون الشخص شخصين في اليوم الواحد وكيف يصبح الحب كرها والكره حبا وكيف ينام الإنسان غنيا ويصحو فقيرا وكيف يكون النصب والإحتيال قيمة اجتماعية يوصف من يتقنها ويمارسها بالذكي والماهر
استنادا ألى هذه الحياة القسرية والحرمان من الحياة الأسرية الصحيحة رسمت لنفسها هدفا مستقبليا ورحلت بعيدا في أحلامها وفق نشأتها المادية والروحية وهي لا تزال على أول طريق الحياة
كان قلبها مليئا بالحقد والكراهية لكل شى تراه أمامها كما كان مليئا بالمحبة والطيبة في نفس الوقت كانت قيم الخير والشر تتنازعها وكان عقلها ناضجا واعيا تغرق مع نفسها في جدل واسع تتناول هذا الصراع في داخلها تحاول إنهائه وقالت إن الزمن سيكون كفيلا بذلك
التقت فاريا مع رلى في سكنهما الجديد بعد قبولهما في معهد التمريض وتعرفت كل منهما على الاخرى وكانت رلى بعكس فاريا أسريا ولكنها تعاني الفقر والحرمان من الكثير مما يجب أن يقدم للأطفال من لباس وطعام ولعب ورحلات وما شابه
قصت كل منهما حكايتها على صديقتها واتفقا أن يتعاونا لإزالة آثار الحرمان من حياتهما المستقبلية
جرجس لفلوف سورية
تعليقات
إرسال تعليق